أشعر أحيانًا وكأنني نسيتُ كيف أفرح، نسيتُ كيف أتحمّس للإنجازات في حياتي.
اعتدتُ لوقت طويل على خيبات الأمل، على ألاّ تمشي الأمور وفق أهوائي، ولعلّ عقلي قد تبرمج أخيرًا على أن يبحث دومًا عن المشكلة المقبلة.
في كلّ مرّة أتغلب فيها على مشكلة تواجهني، وتُحلّ الأمور تمامًا كما تمنيت، اجدني وبدلاً من الشعور بالارتياح، أبدأ بالاستعداد لحلّ المشكلة التالية، حتى قبل أن أعرف ما هي!!
ولم يعد الأمر يقتصر فقط على مشاكل العمل والحياة، بل أصبح جزءًا من الروتين اليومي أيضًا…
إن كنت تشعر على هذا النحو أنت أيضًا، فهذا المقال لك…
عندما يعتاد عقلك على العيش في وضعية البقاء
مؤخرًا، لم اعد أعلم كيف أرتاح…
ليس لأنّ الحياة قد أضحت صعبة على وجه الخصوص، ولا لأنّ كلّ شيءٍ من حولي ينهار… ولكن، لأنّ عقلي وفي لحظة ما أثناء سيري في درب الحياة، قد توقّف عن الإيمان بأنّه يمكن للهدوء أن يستمر… ببساطة، لقد نسي كيف يطمئن.
علّمتني الحياة على مدى سنوات أنّ أتوقّع الخيبة، تتغيّر المخطّطات، ولا تجري الرياح بما تشتهيه سُفني. ويُتبع كلّ تحدٍّ أواجهه وأتغلّب عليه بآخر، ثمّ آخر…
ومن دون أن أدرك، بتُّ أتوقّع الأسوأ دائمًا، وأستعدّ للخيبة في كلّ مرّة، وأفترض أنّ هنالك مشكلة أخرى تنتظري بمجرّد الانتهاء من حلّ المشكلة الحالية. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا مجرّد طريقة تفكير، وإنّما تحوّل إلى أسلوب حياة!
والغريب في الأمر، أنّه وحتى عندما يسير كلّ شيء على ما يُرام، فعقلي وجسدي لا يعرفان الراحة.
كلّما انتهيتُ من حلّ أمرٍ كان يشغلني، وبدلاً من الشعور بالراحة، يبدأ عقلي على الفور بالبحث في الأفق عن المشكلة التالية. كما لو أنّ هنالك قائمة مهامّ تنتظر منّي إتمامها حتى قبل أن أعرف ما فيها.
ويأتي السؤال:
“حسنًا، ما الذي يجدر بي أن أقلق بشأنه الآن؟”
حتى قبل أن تُتاح لي فرصة الشعور بالامتنان لما أنجزته للتو… ومع مرور الوقت، بدأت هذه الطريقة في التفكير تتسرّب إلى حياتي اليومية أيضًا.

أستيقظ صباحًا، وبدلاً من التفكير كيف أبدأ يومي، أجدُ عقلي يذكّرني بكلّ ما يجدُر بي إتمامه قبل البدء بالعمل…
عليّ ترتيب المنزل، والردّ على كلّ الرسائل الإلكترونية التي وصلتني، وكذلك رسائل الهاتف، وجميع تنبيهات السوشيال ميديا التي فاتتني خلال ساعات النوم القليلة التي حظي بها جسدي، وتجاهلها عقلي…
ويتحوّل الفطور من وجبة تزوّد بالطاقة إلى سباق مع الزمن، أتناولها سريعًا أثناء التفكير في مواعيد التسليم النهائية، وما ينتظرني من أعمال.
وإن اضطررت إلى مغادرة المنزل لإتمام بعض المعاملات، أعود مجدّدًا بعد بضع ساعات، لأجلس مباشرة إلى حاسوبي، أنهي عملي، أو أردّ على الرسائل والاستفسارات التي تصلني من زملاء العمل… لا أرتاح، ولا ألتقط أنفاسي حتى من تعب الطريق.
كما لو أنّ أحدهم يطاردني… والواقع أنّه لا أحد يفعل… فهذا السباق مع الزمن حقيقي في داخل رأسي فقط!
وحتى يوم الراتب الشهري الذي يفترض به أن يُشعرني بالطمأنينة، والامتنان، تحوّل فجأة إلى قائمة طويلة من الحسابات…
الإيجار، الفواتير، المصاريف الشهرية، مالذي نحتاجه في هذا الشهر، ومالذي يجدر بنا تأجيله…وهل سأتمكّن من الادّخار هذا الشهر؟ وماذا لو حدث أمرٌ طارئ…
وتبدأ الحلقة من جديد…
أنفق الكثير من الوقت وانا أحاول جعل الحياة تمضي بسلاسة لدرجة أنّي أنسى أحيانًا كيف أعيشها فعليًّا!
وأعتقد أنّ مثلي كثيرون… لقد أصبحنا نخلط بين ما يعنيه “تحمّل المسؤولية” وبين “العيش في تأهّب دائم”.
متى أصبحنا نؤمن بأنّ الموظّف الجيّد يجب ألاّ يُبطئ وتيرته أبدًا…وأنّ ربّ الأسرة الجيّد هو الذي يتنبّأ بجميع احتياجات العائلة دومًا، وأنّ الإنسان البالغ الراشد هو الذي يخطّط حياته لثلاثة أشهر مسبقًا دائمًا؟!
ما لا ندركه أنّه وخلال كلّ هذا الركض في الحياة، فنحنُ نفقد أمرًا في غاية الأهميّة…
إنّنا نفقد القدرة على العودة إلى المنزل، والاستمتاع بكوننا في “المنزل” وحسب…
على شرب كوب من القهوة بهدوء دون الحاجة إلى التفكير في قائمة مهامّ الغد…
وعلى الاحتفال بالانتصارات الصغيرة قبل المسارعة على الفور لتحقيق الهدف التالي.
لقد فقدنا القدرة على الجلوس بهدوء دون الشعور بتأنيب الضمير لأننا “نضيّع وقتنا…”
يصف خبراء علم النفس هذا الأمر عادة بالعيش في “وضعية البقاء” أو الـ “Survival mode”، وهي حالة ذهنية يعتاد فيها الدماغ على حلّ المشكلات ومواجهة الخطر لدرجة أنّه يفشل في التعرّف على الأمان حين يحلّ.
والجدير بالذكر أنّ “وضعية البقاء هذه” ليست درامية على الدوام، وقد يعجز كثيرون عن ملاحظتها…
قد تظهر أحيانًا على شكل تصفّح بريدك الإلكتروني أثناء تناول العشاء…
أو التفكير في مهامّ الغد وأنت تضع رأسك ليلاً على الوسادة قبل النوم…
أو إنهاء مهمّة معيّنة، ثم الشعور بالقلق والتوتر لأنّه ليس لديك مهمّة أخرى بعدها…
أو حتّى الإحساس بأنّ حالة الهدوء التي تعيشها الآن غريبة، وأنّ أمرًا ما سيئًا بانتظارك حتمًا…
في احيان أخرى، قد تتجلى وضعية البقاء هذه في شعورك بالإرهاق الشديد بعد أسابيع من العمل الشاق المتواصل، ولكنك مع ذلك تبقى غير قادر على الارتياح، لأنّ الراحة في حدّ ذاتها، لم تعد مألوفة بالنسبة إليك.
و…أتعلم ما أصعب شيء في كلّ هذا؟
الأصعب هو أنّ “وضعية البقاء” تتحوذل تدريجيًا إلى جزء أساسي في حياتك، ويصبح من الصعب عليك التعرّف عليها، لتبدأ بوصف هذه الحالة بأنّها ببساطة “شخصيّتك”!
قد تجد نفسك تقول: “كلّ ما في الأمر أنّي أحبّ إبقاء نفسي منشغلاً”
ربّما…
وربّما نسينا ما يعنيه حقًا ألاّ تحاول الإعداد لمواجهة العاصفة المقبلة!
المثير للسخرية، هو أنّه وفي خضمّ هذا كلّه، فالحياة تستمرّ على وتيرتها أثناء انشغالنا بحماية أنفسنا منها.
تبردُ القهوة…
تنتهي المحادثات سريعًا…
يفوتنا الغروب الذي أجلّنا مشاهدته لوقت لاحق…
تتحوّل الأغاني التي كنّا نستمتع بسماعها والرقص على أنغامها إلى مجرّد ضوضاء في الخلفية…
وتمضي الأيام، والأسابيع والأشهر…
وندرك بعد فوات الأوان أنّنا كنّا منشغلين جدًّا بإدارة حياتنا لدرجة نسينا معها أن نعيشها، ونتذوّق لحظاتها…
بعد أن وجدت نفسي غارقة في دوّامة “البقاء”، بتُّ أؤمن أنّ الراحة ليست مجرّد أخذ إجازة من العمل…
وإنّما هي الإيمان الحقيقي الصادق، ولو للحظات بسيطة، أنّ الأمور على ما يرام، وما من شيء مريع على وشك الحدوث…

لربّما التشافي من حالة وضعية البقاء هذه ليس في أخذ إجازة أو محاولة إنهاء كلّ المهام على القائمة…
ربّما يبدأ بتعليم عقولنا أنّ لحظات السلام لا يجب أن تُقطع بالقلق…
وأنّ أوقات الصمت لا تعني بالضرورة الهدوء الذي يسبق العاصفة…
وأنّه يحقّ لنا حلّ مشاكل اليوم دون الحاجة للتفكير فيما ينتظرنا غدًا…
فالحياة لا تنطوي فقط على الأهداف التي نحقّقها، أو المسؤوليات التي نضطلع بها…
إنّها أوسع من ذلك بكثير، وأعمق من ذلك بكثير أيضًا…وأبسط من كلّ ذلك…
قد تجد معنى الحياة، في بضع دقائق تقضيها في حديقة تحبّها، أو في كوب قهوة ترتشفه دون عجلة… أو في نزهة على الأقدام حول المنزل…
أو في أخذ نفس عميق قبل البدء العمل…
أو ببساطة في الإدراك بوعي أنّه وفي هذه اللحظة بالذات، كلّ شيء على ما يُرام…
لعلّ هذا فقط يكفي لتحيا من جديد…
اقرأ أيضًا: ذلك الشعور الثقيل في أعماقك، ما الذي يحاول أن يقوله لك؟
أو تابعني على انستغرام
لا يوجد تعليقات!