لطالما كانت القيادة بالنسبة لي تحدّيًا صعبًا، لكن على ما يبدو، تحاول الحياة بأقصى ما لديها أن تضعني في مواقع وظروف يتعيّن عليّ فيها تولّي زمام الأمور، وقيادة الفريق في العمل أو حتى في الحياة الشخصية.
في هذا المقال
كشخص انطوائي بطبعي، أحبّ الهدوء والعمل على مهامّ إبداعية ابتكارية، أمّا الاجتماعات، وتتبّع سير العمل، وتوكيل المهامّ، وقضاء اليوم أقفز من مهمّة لأخرى، ومن JIRA Card إلى غيرها… فهو بالنسبة لي أمرٌ مرهق، وما يكاد ينتهي النهار حتى أجد نفسي خائرة القوى، مرهقة … وبالمقابل، حينما أحاول قياس إنجازي لليوم أتفاجأ بأنّ قائمة المهامّ لا تزال كما هي، طويلة مخيفة تنتظرني تمامًا كما كانت صباحًا حينما جلستُ إلى مكتبي قبل أن أبدأ العمل…
تكرّر هذا الأمر مرّات عدّة، وفي لحظات جعلني أفكّر…لربما لا أصلح لمهمّة القيادة…لعلّها وظيفة لأولئك الاجتماعيين، البارعين في الكلام والحديث، القادرين على مجاراة ما يُعرف عادة في عالم الشركات بـ “بيئة العمل المتسارعة”…

في مواقف متعدّدة مع مدرائي، كنتُ أسمع الجملة ذاتها… عليكِ تجاوز إمكانياتك والخروج من منطقة الراحة الخاصّة بك… أو..”حان الوقت لترتقي إلى المستوى التالي من اللعبة”…
أعلم يقينًا أنّ النيّة كانت طيبة من وراء هذه التشجيعات، لكن، ما لم يكن مدرائي يعلمونه، هو أنّي بالفعل أقف خارج منطقة الراحة الخاصّة بي… في الواقع كنتُ بعيدة جدًّا عنها إلى الحدّ الذي لم أعد أراها معه!
وكنتُ أبذل قُصارى جهدي للارتقاء في اللعبة…لعبة الوظيفة والمنافسة وبناء المسيرة المهنية الناجحة التي لابدّ أن تتوّج بمسمّى وظيفي يحمل كلمة “مدير” أو “قائد” أو “مسؤول”…
الحقيقة… لم يكن يهمّني المسمى الوظيفي كثيرًا، بل العائد المادّي من الوظيفة، لكن… الطريقة الوحيدة للحصول على عائد ماديّ مجزٍ هي بالارتقاء إلى القيادة والإدارة…
أو هذا ما اعتقدته، إلى أن بدأتُ بالبحث أعمق، ومحاولة اكتشاف المسار المهني الذي يناسبني حقًا… بل وأيضًا محاولة اكتشاف ما إذا كان الشخص الانطوائي ملائمًا حقًا لتولّي مناصب القيادة في عالم لا يعترف حقًا بهذا النوع من الشخصيات.
خلال رحلتي لاكتشاف الذات… هذا ما توصلّت إليه.
أولا: القيادة ليست المسار المهني الوحيد للارتقاء في وظيفتك
بقدر ما يبدو الأمور مستحيلاً، لكنه حقيقي…
القيادة ليست للجميع، ولا ضير في ذلك… لمجرّد أنّ أحدهم يحمل مسمّى “مدير” أو “قائد”، فذلك لا يعني بالضرورة أنّه ناجح فيما يقوم به.
ولمجرّد أنّ أحدهم يقوم بواجباته الوظيفية على أتمّ وجه، ويبدع في عمله، فذلك لا يعني أنّه سيكون مبدعًا في منصب قيادي أو إداري أيضًا… وبدلاً من أن يكون المنصب الجديد مكافأة له، سيتحوّل فجأة إلى سبب توتّر وضغط، وربمّا تراجع في الأداء، والثقة بالنفس وغيرها من المشكلات المهنية والنفسية.
إن كنت ممّن يستمتعون بالعمل منفردين، وتحبّ التركيز على المهام الإبداعية والابتكارية، أو تجد شغفك في التخطيط والإعداد، وحتى التنفيذ، فربّما قدرك مختلف وبعيد عن الإدارة والقيادة…
ولا أعني هنا أن تبقى في منصبك الاعتيادي بلا أيّ تقدّم…
على العكس… أمامك في الواقع مسارات وظيفية متعدّدة، تعود عليك بذات العائد المادي الذي قد تحصل عليه في منصب قيادي أو إداري…
كيف؟

ببساطة، يمكنك أن تتخصّص في جزئية معيّنة في عملك، لتصبح بذلك مستشارًا أو خبيرًا فيها، تقدّم التوصيات للفرق المختلفة، وتعمل كذراع أيمن لقائد الفريق أو المدير، يمكنك أيضًا أن تصبح خبيرًا استراتيجيًا، تعمل على بناء الخطط والإجراءات وتعديلها وتطويرها.
جميع هذه المناصب مهمّة، ويزداد الطلب عليها من قبل كبرى الشركات يومًا بعد يوم.
ليس هذا وحسب، بالنسبة للبعض من ذوي الخبرة، فهم يفضّلون البقاء في مناصب عادية “ليست إدارية أو قيادية” والتنقل بين الشركات لرفع الدخل المادّي. قد يعملون في مناصب إدارية وقيادية لسنة أو اثنتين، ثمّ يبدأوون العمل في شركة أخرى أكبر بمنصب أقل ولكن عائد مادّي أعلى.
الأمر ليس أنهم يهربون من مناصب الإدارة، وإنما هي طريقتهم للتركيز على الوظائف التي تلهمهم، وتدعم مهاراتهم. وفي الوقت ذاته تُكسبهم خبرات في مجالات جديدة، توسّع مداركهم وشبكة معارفهم وكذلك مستواهم المادّي.
وهكذا نجد مثل هؤلاء الأشخاص، يتذبذبون بين المسمّيات الوظيفية التالية:
Senior, manager, senior مرّة أخرى وهكذا…
ثانيًا: فكّر في بدء مشروعك الخاص
بعد سنوات من العمل في مناصب مختلفة وشركات متعدّدة، أنj تملك بلا شكّ من الخبرة ما يكفي لتبدأ مشروعك الخاصّ! فهل سبق أن فكّرت في ذلك…
أعلم، قد أسمعك تقول: يحتاج هذا إلى رأس مال، وجهد، وشخصية منفتحة قادرة على جلب المستثمرين والتحدّث أمام الجماهير لتسويق المشروع…
أقول لك: ليس بالضرورة…
الكثير من المشاريع على الإنترنت لا تحتاج إلى رأس مال عالٍ، وإنّما مبلغ بسيط فقط، بعض اشتراكات في منصّات استضافة، وربّما بعض أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدتك وتحصل على مشروعك الخاصّ!

في أحيان أخرى، قد لا تحتاج سوى إلى صفحة على منصّات التواصل الاجتماعي وبعض الأفكار المتميّزة لبدء مشروعك.
لكن، عليّ أن أنبهك هنا، أنّ تأسيس مشروعك الخاصّ قد لا يدرّ عليك دخلاً في سنواته الأولى، وسيحتاج منك إلى الكثير من الالتزام والاستمرارية.
نصيحتي إليك هنا: في الوقت الذي تعمل فيه بوظيفة بدوام كامل، سواء في منصب تحبّه أو في منصب لا ترتاح إليه، خصّص جزءًا من وقتك للعمل على مشروعك الخاص سواءً كان مشروعًا عبر الإنترنت، أو مشروعًا تجاريًا أو حِرفيًا أو غيره.
مع مرور الوقت، ستجد نفسك قد اكتسبت الكثير من المهارات المميزة في مجال الإدارة وحتّى القيادة… وسيكون أمامك طريقان:
- التفرّغ لمشروعك تمامًا. أو…
- الانتقال إلى منصب قيادي بعد أن اعتدت على قيادة مشروعك وأصبحت أكثر ارتياحًا مع مثل هذه المناصب!
في كلتا الحالتين، أنت المستفيد الأول!
ثالثًا: الفرق بين إدارة مشروعك الخاص وبين إدارة فريق في شركة
من خلال خبرتي المتواضعة اكتشفتُ أنّ هنالك فرقًا جوهريًا بين تولي مناصب إدارية وقيادية في شركة تعمل فيها، وبين أن تكون أن قائد مشروعك الخاصّ. ليس هذا وحسب بل وبين تولي منصب قيادي في شركة جديدة وبين الترّقي في شركتك الحالية لتولي منصب القيادة.
في أولى تجاربي لإدارة فريق في إحدى الشركات، تمّ ترقيتي من منصبي إلى منصب “مديرة محتوى” وكانت تلك أولى تجاربي في الإدارة…
لكنّها لم تكن الأفضل… لقد قادتني تلك التجربة إلى الانطفاء والاحتراق الوظيفي. كان من الصعب عليّ حقًا أن أتصرّف كمديرة مع أعضاء الفريق الذي كنتُ زميلة لهم قبل أيام قليلة. ولم يتلقَ بعض أعضاء الفريق خبر ترقيتي بصدر رحِب، مؤمنين أنهم هم الأجدر بالإدارة… وحرصوا على تأكيد وجهة نظرهم خلال الفترة التي تلت الترقية بأسلوب لم يكن الألطف أو الأكثر إيجابية، ممّا أثر حقًا على ثقتي بنفسي…
لا أنكر، بكيتُ في كثير من الأيام، وتساءلت عميقًا في نفسي إن كنتُ أصلح حقًا لمثل هذا المنصب… وعلى الرغم من مديح مدرائي، لكنّي لم أقتنع…فعلى الجانب الآخر كان هنالك من يحبطني على الدوام…
لذا…إن كنت قد ترقيت إلى منصب إدارة في شركتك الحالية ولم يكن فريقك داعمًا، فقد تواجه صعوبات أكبر، وربّما تقتنع في قرارة نفسك أنّ شخصيتك الانطوائية لا تصلح للقيادة… صدّقني حُكمك هذا ليس دقيقًا تمامًا…
وهنا تأتي تجربتي التالية!
انتقلتُ إلى شركة أخرى، بمنصب لم يكن إداريًا…لكن، لم تمضِ سوى سنة واحدة، حتى وجدتني في نفس الموقف… أستلم إدارة الفريق…
في البداية تردّدت، وشعرتُ بالخوف…طاردني شبح الاحتراق الوظيفي، وهاجس الفشل… ومع ذلك، استجمعتُ شجاعتي، وقبلتُ المنصب الجديد…
الفرق في هذه المرّة: كان الفريق داعمًا، مشجّعًا… إيجابيًا، و متفهّمًا… لم أشعر بالحاجة لإثبات قيمتي أمامهم، وخفّف عنّي هذا الكثير من الضغط. استمررنا بالعمل معًا واستمرّت الإنتاجية كما عهدناها.
نعم لازلت أشعر بالتوتر من الاجتماعات المفاجئة، وأجد نفسي مستنزفة من التنقل بين الرسائل ومهامّ Jira، وتمرّ عليّ أيام أقضيها في الردّ على الرسائل الإلكترونية ومحاولة التنسيق بين الفرق، لكن لم أصل إلى حدّ الاحتراق الوظيفي، ومازلت أحبّ وظيفتي الحالية، ولا أزال بحمد الله على رأس عملي، أتعلّم أمرًا جديدًا في كلّ يوم!
أمّا تجربتي الثالثة، فهي في إدارة مشروعي الخاصّ… وهي الأجمل حتى الآن…
في بعض مراحل المشروع جمعتُ فريقًا صغيرًا، اخترته بعناية ليتوافق مع طبيعة شخصيّتي ولنتفاهم معًا، كان التواصل مبنيًا على الشفافية والاحترام المتبادل. ولأني لم أكن زميلة سابقة لهذا الفريق، فلم أشعر بضغط تغيير طريقة التعامل من “زميلة” إلى “مديرة”.
ثلاث تجارب مختلفة، وثلاث مخرجات مختلفة لنفس الشخص، بنفس الشخصية وفي نفس مجال العمل تقريبًا!
إن كنت تشعر أنّك قائد فاشل، فربّما عليك أن تسأل نفسك: “هل أنا فاشل حقًا، أم أنني في بيئة لا تدعمني؟”
القائد الانطوائي ليس فاشلا
خلاصتي كانت بعد هذه التجارب، أنّ القائد الانطوائي ليس بالضرورة فاشلاً. كلّ ما في الأمر أنّهم يتبعون أسلوب قيادة أكثر هدوءًا. وبدلاً من اعتمادهم على تسليط الضوء على أنفسهم وتسويق إنجازاتهم، فهم يميلون إلى الاستماع، التأمل، واتخاذ القرارات المدروسة. تكمن قوّتهم في منح الآخرين مساحة خاصّة للإبداع، الانتباه إلى ما يحتاجه فريق العمل وخلق جوّ من الهدوء والوضوح في المواقف المعقّدة.

قد يكون أسلوب قيادة الانطوائيين أقلّ ضجيجًا، لكنّه غالبًا ما يكون أكثر ثباتًا، استقرارًا وفعالية.
آمل أن يكون هذا المقال مفيدًا لكلّ شخص انطوائي يبذل جهده ليكون قائدًا أو مديرًا ناجحًا، ويشعر في بعض الأحيان أنّ جهوده لا تُقدَّر، وصوته لا يُسمع أو يشكّ في مدى كفاءته في عمله على الرغم من أنّه يبذل قصارى جهده للنجاح!
للمزيد من المقالات المهلمة تصفّح ركن الصحّة النفسية على موقعي، أو تابعني على انستغرام.
لا يوجد تعليقات!